حيدر حب الله
121
شمول الشريعة
القول بأنّ طبيعة العقل ( البشري ) الديني ، هي طبيعة ميّالة للتعميم والهيمنة ، بمعنى أنّها لانطلاقها من فكرة المطلق ( الله ) ، تترسّخ في نفسها ميول قويّة نحو جعل كلّ شيء تحت سلطان الله تعالى ، الأمر الذي يدفع نفسيّاً نحو الرغبة في اعتبار كلّ شيء دينيّاً ؛ لأنّ هذا الأمر يقوّي إطلاق الله وهيمنته على الوجود ، فالنزعة الشموليّة في الفكر الديني قد تكون اتساعاً غير صحيح لفكرةٍ واقعيّة ، وهي السعة المطلقة لله سبحانه ، أو ربما يكون الأمر راجعاً للشعور بضرورة أن تكون كلّ الأمور تحت إشرافه تعالى ، ولو كان الإشراف تشريعيّاً ، بعد الفراغ عن فكرة الوحدانية التدبيريّة التكوينيّة . ولنلاحظ المشهد بشكل معكوس لكي تتضح الفكرة ، وننظر كيف أنّ ظهور المذهب الإنساني ( Humanism ) بشكلٍ تدريجي منذ نهايات ما يسمّى بالقرون الوسطى ، بات يدفع الإنسان لاعتبار الإنسان نفسه هو المحور ، بدل اعتبار الله هو المحور ، وتغيّر خارطة الفلك الفلسفي كما تغيّرت خارطة أفلاك بطلميوس ( ح 168 م ) مع أفلاك كوبرنيكوس ( 1543 م ) ، ومنذ ذلك الحين يلاحظ الباحث كيف أنّ الإنسان اتجه بشكل تدريجي لتعميم هيمنة الإنسان نفسه بوصفه معياراً لحقّانية كلّ شيء ، ومشرعناً لكلّ شيء يراد شرعنته أو حاظراً كلّ شيء يراد حظره من خلاله ، حتى وصل الأمر إلى الحديث اليوم عن المثليّة الجنسيّة وعن الانتحار وغير ذلك بوصفها حقوقاً للإنسان . هذا النوع من النزوع طبيعيٌّ في تقديري ؛ لأنّ المدارس الفلسفية التركيبيّة ( ولا أعني التلفيقيّة ) كثيراً ما تكون أضعف من المدارس الفلسفية الاحاديّة ، وهذا يعني أنّه عندما تهيمن فكرةٌ مركزيّة على العقل الإنساني فمن الممكن أن نجد لديه ميولًا نفسيّة لعرض كلّ الأشياء على هذه الفكرة ، وشعوراً بمزاحمة ومنافسة أيّ فكرة أخرى لفكرته المركزيّة ، إلى حدّ أنّنا رأينا - على سبيل المثال - بعض الفلاسفة في القرن العشرين يرون أنّ قيامة الإنسان لا تكون إلا بخفض الله إلى مستوى الصفر ، أو بتعبير بعضهم : لكي تكون إنساناً يجب أن تكون الله ، ممّا يعني أنّه لا يوجد شعور بأنّه بالإمكان منح مرجعيّتين اثنتين معاً حقّ تقرير الهويّة والمصير . أكتفي بهذا القدر وبه يتبيّن أنّ الاستدلال بالسيرة المتشرّعية والإجماع والشهرة لا يقوم على أساسٍ علميّ مقنع ، وإن حظي بدور نفسي كبير ومؤثّر .